وهبة الزحيلي

191

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقال المالكية والحنفية : ليست موضع سجود ، لما في البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال : « ص ، ليست من عزائم القرآن ، وقد رأيت النبي ص يسجد فيها » . وأنكر المالكية أيضا سجدة الشكر . وقال الشافعية والحنابلة : إنها ليست من عزائم السجود ، بل هي سجدة شكر ، استدلالا بفعل النبي ص ، كما نص الحديث المتقدم ، وروى النسائي أن النبي ص قال : « سجدها داود توبة ، ونحن نسجدها شكرا » . 12 - ليس في استغفار داود ما يشعر بارتكاب ذنب أو أمر يستغفر منه ، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة . 13 - الأصل في مشروعية الأقضية أو التقاضي قوله تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة 5 / 49 ] وقوله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء 4 / 105 ] وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [ النساء 4 / 135 ] . 14 - إن قاعدة الحكم الأساسية الحكم بالعدل والحق : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ومن قواعده : أن القاضي لا يحكم في الوقائع إلا بالدعوى ورفع الأمر إليه ، فيجب الحكم بالحق ، وألا يميل القاضي إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع ، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة أو غيرهما . 15 - هذه الآية : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ . . تمنع الحاكم من القضاء بعلمه الشخصي في الحوادث ، لأن الحكام لو مكّنوا أن يحكموا بعلمهم ، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليّه ( صديقه ) ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به . وبذلك يمنع من هذا القضاء للتهمة ، قال أبو بكر رضي اللّه عنه : لو رأيت رجلا على حدّ من حدود اللّه ، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري .